.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

يؤكد على أنه لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ - الحلقة السابعة

==========================================================

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وكُتبه، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان)
وقفت الحلقة السابقة التي نشرت بتاريخ 17/1/2025م، عند الخطاب الرباني الموجه للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في الآية 50 من سورة الأنعام، الذي طلب فيه رب البرية سبحانه، من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن ينفي للناس ثلاثة أمور من تلك التي قد يتوهم بعضهم أنها من امتيازاته، صلى الله عليه وسلم، ومنها نفيه علم الغيب، ويمكن أن تتمثل الفائدة من نفي هذه الأحوال بإظهار الرّسول، صلى الله عليه وسلم، تواضعه للّه، وعبوديته له، وإظهار عجزه عن الإتيان بالمعجزات المادية القاهرة القوية، فهذا من قدرة اللّه اللائقة به، ويعني ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يدّعي الألوهية ولا الملائكية.
وتكررت الإشارة إلى نفي علم الغيب عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في عدد من الآيات القرآنية الأخرى، وفي السنة النبوية، ومن ذلك (نهي الجارية التي قَالَتْ: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ" عن هذا القول) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب منه)
وعَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: {لاَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ}). (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} (الجن: 26)، ونفى الله علم الرسول، صلى الله عليه وسلم، الغيب، فقال عز وجل: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ...} (هود: 49)
وهناك تساؤل إنكاري تصدر بعض الآيات القرآنية، يفيد مؤداه إلى أن علم الغيب محجوب عن الخلق، كقوله تعالى:{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}(القلم:47)، يعني: أم عندهم اللوح المحفوظ، فهم يكتبون ما فيه، ويخبرون به؟!! فالحاصل أنهم لا يحيطون بعلم الغيب، وبالتالي ليست لديهم إمكانية أو قدرة على كتابة ما في الغيب، وتحديد ما فيه وبيانه.

الإيمان بالغيب
حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، عَلَّمَ فيه جبريل، عليه السلام، المسلمين أمور دينهم، كما جرى منه أكثر من مرة، باستخدام أسلوب محاورة النبي، صلى الله عليه وسلم، حول أمور بارزة من الدين بهدف ترسيخها في أذهانهم بهذا الأسلوب المشوق والمثير، وخلال التعقيب على حديث من هذا القبيل، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (...هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان)، وأسلوب المناقشة والمحاورة من أساليب التعليم، التي تعنى بها التربية المعاصرة، وفي الحديث أعلاه سأل جبريل، عليه السلام، الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان، وهو يعني في اللغة التصديق، وتلخصت الإجابة في بيان أن الإيمان يتعلق بأمور غيبية بامتياز، وهي: الإيمان بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ. فهذه الأمور يصدق بها المؤمن على إثر علمه بها عن طريق الخبر الصادق الذي تلقاه من دينه، وأثنى الله على المؤمنين بالغيب، فقال عز وجل: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (البقرة:3)
الخشية بالغيب
يترتب على الإيمان بالغيب مقتضيات ينبغي تحقيقها، ومن ذلك الخشية من الله والخوف منه سبحانه، الذي يبتلي عباده ليعلم من يخافه بالغيب، مصداقاً لقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة:94)
الغيب هنا يحتمل معنيين: أحدهما الذي أُخبروا به من النشر والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك، وخشوا ربهم فيه.
والمعنى الثاني أنهم يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين الناس، أي في خلواتهم، وفي صلاتهم وعباداتهم. (تفسير الثعالبي، 4 /321)
يقول الشنقيطي: وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ مَنْ يَكُونُ فِي خَلْوَتِهِ كَمَشْهَدِهِ مَعَ النَّاسِ. وَمِنْهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ:
يَتَجَنَّبُ الْهَفَوَاتِ فِي خَلَوَاتِهِ عَفُّ السَّرِيرَةِ غَيْبُهُ كَالْمَشْهَدِ
وَالْوَاقِعُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ، وَهِيَ خَشْيَةُ اللَّهِ بِالْغَيْبِ، وَالْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ، أَسَاسُ عَمَلِ الْمُسْلِمِ كُلِّهِ، وَمُعَامَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِإِيمَانِهِ بِالْغَيْبِ سَيَعْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ طَمَعًا فِي ثَوَابِ اللَّهِ، كَمَا فِي مُسْتَهَلِّ الْمُصْحَفِ: {الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ...} (البقرة:1-3) .
وَبِمَخَافَةِ اللَّهِ بِالْغَيْبِ سَيَتَجَنَّبُ كُلَّ سُوءٍ، فَيَسْلَمُ، وَيَتَحَصَّلُ لَهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْبِ مِمَّا هُوَ مِنْ جَانِبِ العَبْدِ لَا من الله، كَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْإِحْسَانِ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)( (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإيمان)، وَهَذَا الْإِحْسَاسُ هُوَ أَقْوَى عَامِلٍ عَلَى اكْتِسَابِ خَشْيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 8 /236، بتصرف)
ويبين الطاهر بن عاشور أن الغيب ضد الحضور وضد المشاهدة، وقد تعلق المجرور هنا بقوله:{يخافه} الأظهر أنه تعلق لمجرد الكشف دون إرادة تقييد أو احتراز، كقوله تعالى :{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقّ} (البقرة:61)؛ أي من يخاف الله وهو غائب عن الله، أي غير مشاهد له، وجميع مخافة الناس من الله في الدنيا هي مخافة بالغيب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (الملك:12)
وفائدة ذكره أنه ثناء على الذين يخافون الله، أثنى عليهم بصدق الإيمان، وتنور البصيرة، فإنهم خافوه، ولم يروا عظمته وجلاله ونعيمه وثوابه، ولكنهم أيقنوا بذلك عن صدق استدلال.
ومن المفسرين من فسر الغيب بالدنيا، وقال ابن عطية: (الظاهر أن المعنى بالغيب عن الناس، أي في الخلوة، فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، يعني أن المجرور للتقييد، أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتقى إنكارهم عليه أو صدهم إياه وأخذهم على يده أو التسميع به، وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه، أن الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية، يغشاهم في رحالهم وخيامهم؛ أي كانوا متمكنين من أخذه بدون رقيب، أو يكون الصيد المحذر من صيده مماثلاً لذلك الصيد. (التحرير والتنوير، 5 /210)
وأثنى الله على الذين يخشونه بالغيب، فقال تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء:49)؛ أي يخشونه تعالى غائبين عن عذابه، أو عن الناس في خلواتهم، أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم. (تفسير أبي السعود، 7 /149) والذين يخشون الله بالغيب هم الأحرى بالاهتمام، وهم أهل الأمل بالإيمان والتزكية، والله تعالى يقول: {...إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (فاطر:18)
والذين يخشون الله بالغيب هم أهل المثوبة، وهم أصحاب القلوب المنيبة، والله تعالى يقول فيهم: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يس:11)
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} (ق: 33)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، ذكر من بين السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: (...وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (صحيح البخاري)، وفي هذا ثناء على الذاكرين في خلواتهم في ظهر الغيب بعيداً عن الرياء، فالثناء هنا على الذي يذكر الله بعيداً عن مشاهدة الناس، ففاضت الدموع من عينيه من الخشية، وأُسند الفيض إلى العين مبالغة، كأنها هي التي فاضت. (تحفة الأحوذي، 7 /58)
ونبه يوسف، عليه السلام، لمسألة حفظ الغيب في سياق الإشارة إلى وفائه، وأمانته مع الملك الذي تربى في قصره، وأخبر القرآن الكريم عن هذا بقوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ} (يوسف: 52) قال يوسف، عليه السلام، {ذلِكَ} عدم خروجي من السجن، وامتناعي من إجابة الملك أولاً، وسبب تثبتي وأناتي هو لظهور براءتي عند العزيز، الذي كان أحسن إليّ، وأكرمني مدة إقامتي عنده «لِيَعْلَمَ» علماً حقيقياً {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} في زوجته، كما لم أخنه في ماله وخدمته، ولا بحضوره {وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ} ولا يسددها ولا يسهل مكرهم ولا يرشدهم لطريق الخلاص، فلو كنت خائناً لما أنقذني من هذه الورطة، ولم يوفقني للنجاة منها. (بيان المعاني، 3 /221)

نصر الله بالغيب
من أهداف الابتلاء وغاياته كشف الحقائق عن الذين ينصرون الله ورسوله بالغيب، مصداقاً لقوله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)
قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} عطف على محذوف مقدر؛ أي وأنزلنا الحديد ليقاتل به المؤمنون أعداءهم، ويجاهدوا لإعلاء كلمة الله، وليعلم الله من ينصر دينه ورسله، باستعمال السيوف والرماح، وسائر الأسلحة، مؤمناً بالغيب، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه. (صفوة التفاسير، 3 /315)
فهذه وقفة أخرى عند قضية حصر العلم بمفاتيح الغيب بالله سبحانه، تم خلالها التركيز على أبعاد الإيمان بالغيب، والخشية بالغيب، ونصر الله بالغيب، على أمل أن يحفز التذكير بهذه الأبعاد الإيمانية لتقويم سلوك الخلق، ودفعهم لمواصلة السير على درب الهدى والنجاة، ونسأله سبحانه التوفيق للوقوف عند مزيد من قضايا علم الغيب، في ضوء القرآن الكريم، وهدي نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
1 شعبان 1446هـ

تاريخ النشر 2025-01-31
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس